عبد الملك الجويني

158

نهاية المطلب في دراية المذهب

حُكم بوقوع الطلاق ؛ بناء على ما ذكرناه من مخالفته إياه . ولو أكرهه على تطليق امرأتين ، فطلق إحداهما ، قالوا : وقع الطلاق ، كما لو أكرهه على ثلاث طلقات ، فطلق واحدةً . وقالوا أيضاً : لو قال المكرِه : قُلْ : طلقتها ، فقال : فارقتها ، أو سرّحتها ، حكم بوقوع الطلاق ؛ طرداً للأصل الذي قدمناه ، من أن المكرَه إذا خالف المكرِه المُجبِرَ ، حكم بوقوع الطلاق ؛ من جهة أن المخالفة تُصوِّر المكرَه بصورة المبتدىء المنشىء الذي لا ينبني كلامُه على استدعاء المجبِر . ولي في هذه المسألة نظر : أما إذا أكرهه على طلاق عمرة ، فطلّق عمرة وحفصة ففي تحقق الإكراه في عمرة وعدم وقوع الطلاق عليها احتمال بيّن ظاهرٌ ؛ فإنه لا منافاة بين اختياره طلاقَ حفصةَ وبين كونه مجبراً على طلاق عمرة ، فكأنه أتى بما استدعاه المجبر منه ، وضمّ إليه ما كان في نفسه اختياره ، والذي يحقق ذلك أنه لو كان على [ نيّة ] ( 1 ) أن يطلق حفصة ، فقال المجبر : طلق عمرة معها ، فهذا ظاهر في تحقق الإكراه في طلاق عَمْرة . وأما إذا أكرهه على تطليق عمرةَ وحفصة ، وطلق عمرة ، فقد يظهر أنه يبغي بهذا إجابة المجبر في بعض ما قال ، وهو يرجو أن يكتفي بذلك ، فهذا فيه احتمال من هذا الوجه أيضاً ، والاحتمال في الصورة الأولى أظهر ؛ من جهة أنه يتخلص [ بما يفعله ] ( 2 ) عن إرهاق من يجبره ، ويتخلص عن الإكراه بتطليق واحدة ، والمطلوب منه تطليق اثنتين . ولو قال - وقد طلب منه طلاق اثنتين : أنت طالق وأنت طالق ، فهذا مما يجب القطع به في كونه مكرهاً ، فإنه ساعد ( 3 ) المجبر على هذه الصيغة ، فكان بمثابة ما لو جمع طلاقهما في صيغة التثنية . فأما إذا أجبره على طلقة ، فطلق ثلاثاً ، فلا شكّ في وقوع الثلاث ؛ فإن الذي صدر

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : ما يفعله . ( 3 ) " ساعد " هنا بمعنى : أجاب ، لا بمعنى أعان .